حتشبسوت.. يا حتشبسوت

بقلم/ ماجدة محمود

يبدو أن المرأة كانت تعانى من مجتمع ذكورى متعنت ضدها منذ آلاف السنين؛ فلا يجب أن نتعجب أو نندهش مما يحدث الآن من قبل البعض، سواء كان عنفًا غير مبرر، أو عنفًا لمجرد كونها أنثى، وكأنها فُرض عليها العذاب والمعاناة والجهاد إلى ما شاء الله، والسبب هو الچينات المصرية التى يحملها رجالنا رغم اختلاف الزمان والمكان.

فعلى الرغم من فخرنا وانبهارنا وانبهار العالم من حولنا، بما وصل إليه العصر الفرعونى من تقدم وحداثة -ما زال العلماء يبحث فى أسراره حتى يومنا هذا وإلى سنين طوال مقبلة فى جميع المجالات- إلا أن الفكر الذكورى كان متحجرا، ومارس ضد المرأة أعلى درجات العنف، وقصة ملكتنا أكبر مثال لما أقول.

والسؤال.. لماذا الحديث الآن عن هذه الملكة العظيمة وما تعرضت له من عنف وتمييز؟ وهو ما سنسرده فى السطور القادمة.

الإجابة ببساطة: هذه الملكة ستتقدم الصفوف ويقف لها الرجال العظماء، إجلالا واحتراما لها، فى موكب غير مسبوق ينتظره العالم بأكمله مساء السبت القادم “موكب المومياوات الملكية” الذى يتحرك من ميدان التحرير تزامنا مع افتتاحه بعد التجديد، ويسير حتى مجرى العيون بمصر القديمة، والذى أيضا سيتم افتتاحه بعد التطوير لتستقر المومياوات فى متحف الحضارة، بمدينة الفسطاط، حيث يستقبلها الرئيس عبد الفتاح السيسى وجمع من رجالات الدولة والشخصيات العامة.

الملكة التى أتحدث عنها “حتشبسوت أو درة الأميرات” التى تغنى لها الصوت العذب “محمد العزبى”: “حتشبسوت.. يا حتشبسوت.. قفلوا عليكى.. يا حلوة تابوت” وأقول له لقد فتح التابوت، وها هى تسير فى موكب العظماء كما كانت فى عصرها الذى شهد ازدهارا كبيرا.

وكما ذكرت بداية، فقد واجهت حتشبسوت الكثير من المشاكل والعقبات، بسبب نظرة المجتمع الذكورية، فبعد وفاة والدها “تحتمس الأول” الذى كانت تشاركه الحكم ،رفض الكهنة أن تتولى أمرهم امرأة، وأُرغمت على الزواج من أخيها غير الشقيق “تحتمس الثانى” الذى كان ضعيفا، قليل الخبرة ومريضا، ما ساعدها على إدارة البلاد من وراء الستار، وبعد وفاته شاركها الحكم ابنه من إحدى المحظيات، وكان لا يزال صبيا وليس بمقدوره، رعاية مصالح البلاد فعملت حتشبسوت على حكم البلاد إلى أن يكبر واختارت أن يتربى “تحتمس الثالث” تربية عسكرية بحيث يستطيع إدارة مقاليد الحكم فيما بعد.

وتدريجيا تمكنت الملكة الفرعونية، من الانفراد بالعرش وتمّ إعلانها ملكةً على الصعيد والدلتا، ثمّ حكمت مصر وممتلكاتها فى الخارج، وكانت ترتدى ثياب الرجال وتستخدم لحية مستعارة لتتخلص من اعتراض كبار كهنة الإله آمون، على توليها الحكم؛ لأنهم يَرَوْن أن الملك لابد أن يكون رجلا!.

وعلى الرغم من ذلك أثبتت وجودها، وكانت فترة حكمها التى استمرت لحوالى 22 عاما، تتسم بالازدهار والسلام فأنشأت جيشا قويا، وأعادت فتح المناجم والمحاجر فى شبه جزيرة سيناء، وأعادت استعمال القناة الرابطة بين النيل والبحر الأحمر، فنشرت حركة التجارة “تصديرا واستيراد” مع جيران مصر، وفى سن الخمسين أُصيبت بسرطان العظام، وتوفيت وتزوج “تحتمس الثالث” من ابنتها، وطمس كل تاريخها لتتعرض للمرة الثانية للعنف، وهى خارج دائرة الحياة، لينصفها التاريخ وتعود ملكة متوجة بعد آلاف السنين، فى موكب مهيب تتقدمه وتطلق المدفعية، تقديرا لمكانتها ولإنجازات تمت خلال فترة حكمها، الذى اتسم بالقوة، وتخرج حتشبسوت إلى الحياة، بعد أن أغلق عليها التابوت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *